What's New     Publications     Contact Us

   Home



About Us

Programs

Library
Staff

29 كانون الثاني، 2001

انهاء الصراع، وحق العودة، والهوية الفلسطينية§

بقلم: د. جورج جقمان

عميد الدراسات العليا

جامعة بيرزيت

 

قد يبان ان هناك عدداً لا بأس به من القضايا كتلك المتعلقة بالحقوق، تقف حائلة امام أي تنازل عن حق العودة، في مضمون اتفاق اسرائيلي- فلسطيني يسعى لانهاء الصراع.  ومعظم هذه القضايا معروفة ويجري نقاشها باستمرار في الصحف والمجلات والمنتديات المختلفة.

 

غير انه توجد صعوبة إضافية تتعلق بالتخلي عن حق العودة وانهاء الصراع، لا يجري نقاشها في العادة، او تحديدها بشكل واضح وربما انها غير مدركة بشكل جلي او واع، بالرغم من حضورها المستمر في كافة النقاشات والكتابات عن الموضوع،  حتى وان  كان هذا الحضور مستتراً ويلزمه اخراج الى حيز النور.

 

وقد يقال ان الموضوع لا يتعلق بالتخلي عن حق العودة وانما بممارسة هذا الحق حسب قرارات الامم المتحدة، أي العودة او التعويض، وانه من المتوقع ان لا ترغب اغلبية من الفلسطينيين العودة الى دولة اسرائيل كما هي الآن.  بالتالي، لا يوجد تعارض بين قبول دولة فلسطينية في حدود الرابع من حزيران 1967، والمطالبة بتطبيق القرارات الدولية، وهو الموقف الفلسطيني الرسمي الآن.

 

وبمعزل عن هذا النقاش، الدائر حاليا في اوساط فلسطينية  في الضفة الغربية وقطاع غزة، حول ماذا يعني تحديدا ممارسة حق العودة بموجب القرارات الدولية في هذا الظرف السياسي بالذات وقبول رسمي فلسطيني  بدولة اسرائيل في حدود 1967، ان جوهر الموضوع يتعلق في الواقع بالارتباط بين ممارسة حق العودة باي شكل من الاشكال وبانهاء الصراع مع اسرائيل.

 

ويبدو ان هناك  تردداً كبيراً واسع النطاق بين الفلسطينيين حول موضوع انهاء الصراع، حتى وان تم ذلك في مضمون انسحاب اسرائيلي الى حدود 1967 وسيادة فلسطينية في القدس الشرقية، بالرغم من وجود قناعة لدى أغلبية من الجمهور ان الحل الممكن والمقبول هو الموقف الرسمي الفلسطيني، حتى وان لم يكن الحل العادل.

 

وفي هذا مؤشر على جانب من جوانب الصعوبة المشار اليها. فان كان الحل المقبول سياسيا هو ليس الحل العادل، فان الاقرار بإنهاء الصراع يشكل قبولاً نهائياً بالاجحاف التاريخي الذي لحق بالفلسطينيين وتشردهم وتدمير مجتمعهم في فلسطين، وقبولاً نهائياً بالتخلي عن وحدة الشعب الفلسطيني في وطن واحد.  وتتحول هذه الوحدة الى ما هو أشبه " بوحدة الشعب اليهودي" من المنظور الصهيوني، أي الى علاقة لا تقوم على العناصر المؤسسة للهوية في الدولة القومية (بالرغم من التمايز الطبقي داخلها)، وتقوم على ما يقارب التنظير المثالي للقومية العربية في كتابات عفلق على سبيل المثال لا الحصر.  ومن غير الواضح ان هذا ممكن في الحالة الفلسطينية.

 

غير ان الصعوبة المتعلقة بانهاء الصراع وارتباط ذلك بالحل الممكن وليس الحل العادل، تبرز بوضوح اكبر عند التساؤل عن مكونات الهوية الفلسطينية، والعناصر المشكلة لها والفاعلة فيها. وبالرغم من انه توجد عدة عناصر اسهمت في بلورة الهوية الفلسطينية في القرن العشرين، لا شك بأن النكبة بمعانيها وتبعاتها المختلفة هي اهمها بامتياز.  والنكبة، كتدمير مجتمع واقتلاع وتشرد ولجوء ومنافي واغتراب، طالت بقدر او بآخر جميع الفلسطينيين.  ومن غير الواضح انه يمكن تصور الهوية الفلسطينية بالشكل الذي نعرفه دون هذه التجربة المأساوية وامتدادها عبر نصف قرن ونيف باشكال متعددة.

 

هذه التجربة وما نجم عنها هي عماد الهوية الفلسطينية ومكون اساسي لانتاج واعادة انتاج الهوية الجماعية للفلسطينيين، وكما تنعكس في الادب والشعر والفن والروايات كما هو معروف، الى درجة ان المثقفين الفلسطينيين انفسهم باتوا يضيقون احيانا من فرط تسلط نكبتهم على ما يكتبون من أدب وشعر وفكر.  غير ان واقع الصراع لا يترك منافذ كثيرة.  وها هو جيل جديد دون الخمسة عشر عاما، لم يشارك في الانتفاضة الاولى، يتواصل الآن مع النكبة وتبعاتها من خلال الصراع الحالي في الانتفاضة الثانية.

وبهذا المعنى ان الهوية الفلسطينية ليست شيئا متخيلا الا بالمعنى الذي به امور اخرى متخيلة سواء على صعيد الأيديولوجيات او على الصعيد المعرفي بشكل اعم، أي ما اذ كان للمعرفة أية علاقة بما هو خارج الذهن.

 

 وملاحظتي هنا هي ان هناك صعوبة إضافية تتعلق بانهاء الصراع، غير مرتبطة بترجمة سياسية مقبولة لحق العودة ومستقلة عن هذا الجانب بالرغم من اهميته المباشرة في الوضع الراهن.  فانهاء الصراع ، يعني بداية جديدة لهوية جديدة غير تلك التي تشكلت بفعل النكبة وما تبعها على مدار نصف قرن.  فالنهاية هي بداية، "والانتهاء هو ابتداء"، كما يقول الشاعر، وفي هذه الحالة، في غياب القضية التي شكلت الهوية.

 

وبالرغم من ان التشبث والاصرار والتأكيد المستمر على حق العودة في الخطاب الجماعي الفلسطيني له اسبابه الواضحة ويحتل اهمية فائقة على اكثر من صعيد، لكن هذا التأكيد قد يحمل ايضا في ثناياه خشية من بداية جديدة غير معروفة المعالم بعد، ومجهولة عناصرها.  فكأن التخلي عن حق العودة هو تنكر للذات وتخل عن احد اهم مكوناتها.

 

والسؤال الذي ينشأ هنا هو : هل يعني انهاء الصراع التخلي عن ركيزة اساسية للهوية الجامعة للفلسطينيين، وعلى وجه الخصوص في غياب الحل العادل، ومع الآخذ بعين الاعتبار ان الهوية الوطنية الفلسطينية لم تتبلور في نطاق دولة؟  فالدولة القومية الحديثة هي عماد تبلور الهويات القومية في العديد من الحالات، والحالة الفلسطينية هي من الاستثناءات الواضحة، ولها ارتباط وثيق بالصراع الوجودي مع اسرائيل، وبالنكبة وما تبعها، كعنصر مكون لهذه الهوية.

 

بالمقابل ان الهوية العربية للفلسطينيين هوية راسخة مستقرة لا خطر عليها، لها تاريخ طويل في اللغة والثقافة والفكر والادب والشعر من بين عناصر اخرى.  ويرى البعض ان للفضائيات العربية اسهاما اضافيا هنا على صعيد الثقافة الشعبية.  فها هي تدك بمدافعها اسوار التقوقع الصينية، تؤرق الحكومات احيانا، وتدفعها الى مؤتمرات القمة لاحتواء التضامن الشعبي الذي يتفاعل بوتيرة التغطية الاعلامية. فلا نهاية هنا للعناصر المكونة للهوية العربية لتقترن معها بداية.

اما في " قضايا الوضع النهائي" كما اسمتها مصطلحات مسار اوسلو، فالامر يختلف كل الاختلاف في الحالة الفلسطينية كما حاولت ان أُبين. وعليه، إما أن الصراع لن ينتهي باتفاق، او إن تم الاتفاق، فإنه قد لا ينهي الصراع.

 
 


§ ستصدر هذه المقالة في جريدة الحياة اللندنية الاسبوع القادم.