مستقبل النظام الفلسطيني
بقلم: د. جورج جقمان
عميد الدراسات
العليا وأستاذ
فلسفة في جامعة
بيرزيت
ستتمحور ملاحظاتي في
هذه الورقة حول أطروحة واحدة محددة تتعلق بمستقبل النظام الفلسطيني. وأقصد
بعبارة "النظام الفلسطيني"، النظام السياسي بخصائصه الحالية في فلسطين، والجهاز
البيروقراطي والاداري للحكومة، إضافة إلى المحاكم، وجهاز القضاء، والمجلس
التشريعي، وكافة عناصر بنية الدولة قيد التشكل، الآن.
وأطروحتي الأساسية هي
التالية: إن النظام الفلسطيني الحالي لن يتمكن من الاستمرار كما هو في المستقبل،
وإن التغيير سيحصل، إمّا بعد انتهاء حقبة القيادة التاريخية للشعب الفلسطيني، أو
خلال فترة وجود هذه القيادة، ولكن بعد قيام الدولة. وسيكون التغيير أبطأ بعد
قيام الدولة بوجود القيادة التاريخية، ولكنه، سيحصل وفي كل الأحوال. إضافة، إن
ملامح النظام الفلسطيني، بعد التغيير، يمكن استشراف معالمها الرئيسية الآن، وبناء
على مؤشرات محددة، سأشير إليها في سياق حديثي. كما وسأشير أيضا إلى العوامل
الفاعلة، والعناصر المحركة التي ستدفع باتجاه تغيير طبيعة النظام الحالي.
واسترعي الانتباه، في
البدء، للأمور التالية:
أولاً:
توجد، بطبيعة الحال، "مجازفة" تلازم أية محاولة تسعى لتحديد ملامح المستقبل قبل
أن يحدث. ولكن قواعد التحليل هنا معروفة، وتتعلق، أساساً، بتقصي وتحديد العناصر
الأهم، والعناصر الفاعلة في الحاضر، سواء أكانت داخلية أو خارجية، ومن ثم تقصي
أثرها في المدى المنظور.
ثانياً:
ليس المقصود، من ملاحظاتي في هذه الورقة، أن تكون تفاؤلية أو تشاؤمية، أو أن تقدم
تقييماً لمستقبل النظام الفلسطيني. فالمقصود هو تقديم تحليل واستنتاجات تتعلق
بالمستقبل، بمعزل عمّا إذا كان المستقبل، كما هو متوقع، أمراً مرغوباً به، أو لا،
مستحباً أو غير مستحب، مقبولاً أم غير مقبول.
وأبدأ بوصف موجز لبعض
جوانب النظام الفلسطيني الحالي، دون الدخول في تفاصيل، لأن السمات الأساسية
للنظام معروفة بما فيه الكفاية، وقد كتب الكثير حولها، من تقارير ودراسات وتوصيات
وتحليلات، كان آخرها التقرير الذي أعده فريق من المختصين برئاسة رئيس وزراء فرنسا
السابق، السيد ميشيل روكار، وقدمت فيه التوصيات إلى السلطة لاستخلاص العبر. وقد
شكلت لجنة وزارية خاصة لمتابعة التوصيات ووضعها موضع التنفيذ. ولكن، لا أحد يعلم
أين وصل عمل اللجنة، حتى الآن، ان جرى الاستناد الى مصادر المعلومات العلنية.
وكما هو معروف، يوجد
عدم رضا عام واستياء عارم احياناً من الوضع الفلسطيني الحالي، ليس فقط في جانبه
الاقتصادي، أو السياسي المتعلق بالمفاوضات، وإنما أساساً من الوضع الداخلي
للنظام. وهو استياء غير مقتصر على شريحة واحدة في المجتمع، استياء يشترك فيه
الجمهور العام، على الصعيد الشعبي، وعلى صعيد النخب السياسية خارج الحكم، والنخب
السياسية داخل الحكم، وفي الوزارات والدوائر الحكومية المختلفة، وبين المهنيين
والمثقفين، وفي النقابات، والمؤسسات الأهلية وغيرها من الأطر الجماهيرية أو
النخبوية. ولهذا الاستياء أسباب عديدة ومتنوعة، سواء أكانت ضآلة الرواتب وعدم
كفايتها، من منظور أغلبية من العاملين في الوزارات والدوائر الحكومية، بما فيها
الشرطة وأجهزة الأمن، أو عدم كفاية المخصصات للجهاز الصحي الحكومي، على سبيل
المثال. أو بسبب عدم وجود نظام قضائي فعال وموحد. أقول موحداً، بسبب وجود ثلاثة
نظم قضائية مستقلة عن بعضها البعض ومتداخلة الاختصاص. فالمطالبون بفصل السلطات،
يجدون أن لديهم فصلاً للقضاء، والمطالبون باستقلال السلطات، يجدون، بدلاً منه،
استقلالاً لأجهزة القضاء الثلاثة، وهي: المحاكم والتي تعمل بدرجة محدودة جداً من
الفعالية؛ والقضاء العشائري، الذي يعمل بشكل مستقل عن المحاكم، وقضاء المحافظات
وعدد من الدوائر الحكومية والذي يعمل بتداخل احياناً مع القضاء العشائري، ولكن
باستقلال عن المحاكم. ويجري العمل، منذ أكثر من عام، على تطوير التحكيم من قبل
محامين كآلية سريعة لفض النزاعات وبموجب القوانين الدولية ذات العلاقة. وهي آلية
معروفة في العالم، ولكنها غير معمول بها على نطاق واسع في فلسطين. ومع إدخال
التحكيم، سيصبح هناك جهاز قضائي رابع، مستقل عن الاجهزة الثلاثة الأخرى، وربما
مستقل أيضا عن الحكومة، الأمر الذي قد يدفع البعض لإعادة النظر في مطالبتهم بفصل
السلطات واستقلال القضاء، لأن ما تحقق منه لدينا أكثر بكثير مما هو معروف في
العديد من البلدان!
ويصف البعض الوضع
الحالي في فلسطين، ابتداء من تنظيم السير في المدن، مروراً بالوزارات والدوائر
الحكومية، وانتهاءً بالقضاء، بأنه حالة من الفوضى. وهو وصف قد يعيق، في الواقع،
فهم العناصر الأساسية للنظام الحالي، خاصة صفة واحدة أساسية، تشكل مدخلاً لفهم
طبيعة النظام السياسي والاداري، وهي "الفسيفساء" السياسية والادارية للنظام.
وأقصد، بهذا، تعدد المحاور السياسية والإدارية ومراكز القوى وآليات اتخاذ القرار،
وارتباطها، جميعاً، عمودياً، وبدرجات مختلفة من البعد والقرب، ومن خلال حلقات
متصلة، مع القيادة الفلسطينية. وتوجد بين هذه المحاور روابط أفقية أيضاً، إلا
أنها تستمد أهميتها وقوتها، في نهاية الأمر، من محور الارتباط العمودي. وتتغلغل
هذه المحاور في بنية النظام السياسية والإدارية، وفي الدوائر الحكومية والوزارات،
ونواحي الحياة المختلفة، بما فيها النشاط الاقتصادي والتجاري.
فالنظام الرسمي،
بمسمياته ومناصبه ومدرائه ووحداته وأقسامه ومكاتبه، لا يعكس آليات اتخاذ القرار
الفعلية أو صلاحية وسلطة المناصب والمسميات الرسمية. والسبب في ذلك هو وجود نظام
آخر موازٍ للنظام الرسمي، يطغى في معظم الأحيان على النظام الرسمي، ويستمد
صلاحياته وقوته من محاور الارتباط المشار إليها سابقاً. وهذا ما يفسر وجود مدير
عام له نفوذ أكبر من الوزير أو مدير دائرة له نفوذ أكبر من المدير العام، على
سبيل المثال.
وفي هذا ما يفسر
أيضاً أزمة المجلس التشريعي بسبب ارتباط أغلبية من أعضائه بالعلاقات الأفقية
والعمودية للنظام. ولكن، في نفس الوقت، وبحكم الدور الرسمي الموكل له، توجد
أسباب تدفعه للعمل خارج هذه المحاور، خاصة بوجود ضغوطات مجتمعية عليه ليقوم بدوره
الرسمي. فيتأرجح المجلس باتجاه العمل خارج النظام إلى أن يصل إلى حدوده، فما
يلبث أن يتراجع، لأن العمل خارج هذا النظام السياسي والإداري هو بمثابة انقلاب
عليه. وهذا معنى عدم سحب الثقة من الحكومة، وهي فكرة طرحت في المجلس في أكثر من
مناسبة، لأن سحب الثقة هو من آليات عمل النظام الرسمي، وليس من آليات النظام
الفعلي القائم حالياً.
وفي هذا ما يفسر
أيضاً أزمة أحزاب وفصائل المنظمة الرئيسية، لأنها أيضاً تعمل ضمن نظام المحاور
هذا. فهي عاجزة عن التأثير والتغيير، إلا في حدود ما يسمح به النظام. والنظام،
مثلاً، لا يسمح بتداول السلطة، بدليل عدم إجراء انتخابات للمجلس التشريعي أو
لمجالس منظمة التحرير المختلفة، أو للمجالس البلدية.
والسؤال الأساسي إذن،
هو التالي: هل توجد مقومات لاستمرار هذا النظام في المستقبل، وما هي العناصر، أو
العوامل، التي قد تدفع إلى تغيير بنية النظام؟
وأبدأ بالشق الأول من
السؤال، وبالملاحظة التالية: إذا كان النظام مبنياً على وجود محاور ارتباط مختلفة
تستمد قوتها من محور الارتباط العمودي، فإن استمرار هذا النظام مرهون بتوفر شخصية
لها صفات خاصة تقف على رأس محاور الارتباط هذه. وهذا ما توفره، حالياً، القيادة
التاريخية للشعب الفلسطيني من شرعية داخلية، وشرعية خارجية، وقبول لدول عربية
وأجنبية بها، وعلاقات واتصالات دولية وعربية لها جذور في الماضي، وامتدادها في
الحاضر.
إضافة، فإن ما يمكّن
النظام الحالي من الاستمرار هو الصراع غير المنتهي مع إسرائيل، وخشية الجمهور من
التغيير الجذري في هذه المرحلة. ليس لأن الجمهور ضد التغيير، بل لأن آليات
التغيير السلمي غير متوفرة، إمّا لأن النظام الحالي لا يوفرها، أو لضعف القوى
المنظمة في المجتمع، والتي يعول عليها، في العادة، من أجل التغيير، بما في ذلك
الأحزاب والنقابات والأطر الجماهيرية والهيئات الأخرى المنظمة.
إن شخص "أبو عمار" هو
الصمغ اللاصق للنظام السياسي والإداري الحالي، ومن المتعذر رؤية امكانية قيام أي
شخص آخر بهذا الدور في المستقبل، خاصة في ظروف سياسية غير تلك الموجودة حالياً.
إن السمة الأساسية للمرحلة الحالية تكمن في كونها مرحلة انتقالية بين ما تبقى من
نظام منظمة التحرير الفلسطينية، وآليات عملها، واتخاذ القرار فيها، وبين المرحلة
القادمة، التي تمكن رؤية معالمها بقدر من الوضوح.
وأنتقل، الآن، للحديث
عن معالم المستقبل، بدءاً بالعناصر الحالية المؤثرة فيه، وهي من نوعين: عناصر
داخلية وعناصر خارجية. ويوجد قدر من التداخل بين هذه العوامل، وسينعكس هذا في
معالجتي للموضوع.
وأشير، بداية، إلى
الموقف الرسمي للسلطة الوطنية الفلسطينية حول آليات التنمية الاقتصادية في فلسطين
ومحركها. والموقف الرسمي هنا معروف، ويرى أن اقتصاد السوق هو الموفر الاساسي
لفرص العمل، وموفر التنمية الاقتصادية في فلسطين، وهو موقف مطلوب من الدول
المانحة والولايات المتحدة، ويتساوق مع الوضع الحالي لمعظم الدول في ظل عولمة رأس
المال.
وحتى يتم النمو
الاقتصادي بهذه الآليات، هناك مستلزمات بنيوية وسياسية وإدارية مطلوبة، وهناك
علاقة وثيقة بين حاجات اقتصاد السوق، وطبيعة النظام السياسي والإداري. فكما هو
معروف، فإن النظام الرأسمالي لا يمكن أن يؤدي إلى تنمية اقتصادية دون وجود
إمكانية للاستلاف والتسليف، والإقراض والإدانة. وإذا كان من المتعذر على كل بنك
أو شركة أو مستثمر أن يشكل مليشيا مسلحة لغرض استرداد القروض، وحماية رأس المال،
فإن الدولة، في النظام الرأسمالي، تقوم بهذا الدور عن طريق وجود جهاز تنفيذي
لمتابعة قرارات المحاكم وتطبيقها. ولهذا تبعات على النظام السياسي والإداري.
فمن غير الواضح أنه يمكن تصور وضع تأتمر فيه الشرطة بقرارات المحاكم، وتنفذها في
الأمور الاقتصادية، ولكن، لا تنفذ قرارات المحاكم في الأمور الجنائية مثلاً. هو
نظام واحد، فإن شُكل لأغراض الحاجات الاقتصادية، فسيترك أثراً إضافياً في مختلف
القضايا التي تعالجها المحاكم.
وتلزم للنشاط
الاستثماري مقومات أخرى تكمن، أساساً، في ما يسميه البنك الدولي "بالوضوح حول
قواعد اللعبة". أي إن المقصود هو وجود قوانين وتعليمات وإجراءات واضحة، ومقرّة
ومعمول بها، وبيروقراطية عقلانية في الوزارات والدوائر الحكومية المختلفة. وفي
غياب "قواعد لعبة واضحة" من هذا النوع، سيبقى الاستثمار، من ثم النشاط الاقتصادي
والتنموي، محدوداً ومحصوراً بمن لديه الصلات الكافية، والوقت الفائض للهدر في
المتابعة والملاحقة بين الدوائر المختلفة، وتصديق الأوراق، وجمع الأختام
والتوقيعات والشروحات والملاحظات بعد وضع طوابع الإيرادات، إن وجدت، دون انتظار
أسابيع لوصول دفعة مطلوبة من الطوابع لم تصل.
ولا غرابة إذن، في أن
نعلم أن البنك الدولي تبنى تطوير تسعة مشاريع قوانين تتعلق بالنشاط الاقتصادي قبل
عامين من الزمن. وألح البنك على السلطة الوطنية إقرارها. وقد أقر بعض منها، وما
زال العمل جارياً على إعداد ما تبقى.
وقد خصص البنك
الدولي، أيضاً، خلال الأعوام الأربعة الماضية، ما يقارب الثلاثة ملايين دولار
لمشاريع تتعلق بتطوير الجهاز القضائي، وتدريب المحامين، إضافة إلى تطوير
التشريعات والتدريب على التحكيم، ليس من أجل إحلال الديمقراطية في فلسطين، بل
إدراكاً منه، ومن الدول المانحة التي رعت مشاريع عدة لتطوير التشريع والجهاز
القضائي، بوجود علاقة واضحة بين حاجات اقتصاد السوق والبيئة الادارية والقانونية
للدولة وللجهاز الحكومي.
ولا يقتصر إدراك هذه
العلاقة، وهذه الحاجة، على البنك الدولي والدول المانحة. إذ توجد مطالبة ودعوة
مستمرتين من منتديات رجال الأعمال والمؤتمرات والندوات التي تبحث في الشؤون
الاقتصادية والتنمية في فلسطين لإرساء حكم القانون، وفصل السلطات، وتفعيل الجهاز
القضائي. وقد تبنى بعض رجال الاعمال الديمقراطية كشعار لمجموعة من المطالب،
تتمثل في حاجات الاستثمار، ومطالب المستثمرين من الدولة، سواء أكان ذلك على صعيد
القوانين، أو دور القضاء، أو عقلنة بيروقراطية الدولة، أو ضمان حقوق الملكية، أو
منع الاحتكارات، أي عدم دخول الحكومة كشريك في النشاط الاقتصادي بأساليب وطرق
مختلفة.
ويجري الإعداد،
حالياً، لعقد المؤتمر التجاري الأول في رام الله، في نهاية أيار الجاري، باشتراك
وزير الاقتصاد والتجارة. وقد جرى الإعداد للمؤتمر من خلال سلسلة من الندوات،
نتجت عنها تسع أوراق عمل، ستقدم خلال المؤتمر، بما في ذلك ورقة أعدت من قبل السيد
ماهر المصري، وزير التجارة والصناعة، عن حاجة القطاع الخاص إلى سياسات تتعلق
بالخصخصة والاحتكارات. وجاء في الورقة، كما لُخصت في جريدة "الأيام" (2/5/2000)،
أن مشاركة الحكومة المباشرة، وغير المباشرة في الشركات والاحتكارات، "أثارت
انتقادات في الداخل والخارج، وألقت ظلالاً من الشك على التزام السلطة الفلسطينية
باقتصاد السوق، الأمر الذي أثار شكوك المستثمرين والقائمين على مؤسسات القطاع
الخاص، إضافة إلى انتقادات الدول المانحة، وبعض المؤسسات الدولية المهمة".
إن انتقادات من هذا
النوع، ومطالبات تتعلق بإرساء حكم القانون وإقرار التشريعات اللازمة للاقتصاد
والتنمية، تتكرر باستمرار في التقارير والدراسات، وفي الندوات والمؤتمرات. ونحن
نرى، الآن، بدايات تشكل مجموعات ضغط ستعمل، بشكل مستمر، من أجل مصالحها، والتي لا
يلبيها النظام الحالي في فلسطين، وستجد دعماً لدى الدول المانحة والحكومات
الأوروبية والبنك الدولي والولايات المتحدة.
أمّا بخصوص العوامل
الخارجية التي ستدفع باتجاه التغيير، فتمكن الإشارة إلى الحاجة إلى ما يسمى
"باستقرار" النظام الإقليمي (regional sub-system)،
المتفرع عن النظام العالمي الحالي بقيادة الولايات المتحدة، وإلى دور إسرائيل
ومصالحها المستقبلية في فلسطين.
في ما يتعلق "بالنظام
الاقليمي" واستقراره من وجهة نظر الولايات المتحدة، أستذكر هنا مسعى الولايات
المتحدة، بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، لتوفير نظام
إقليمي مستقر ومتجانس نسبياً كجزء من النظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة.
وقد شكلت الانتفاضة حافزاً مباشراً للولايات المتحدة للعمل على بدء عملية تسوية
سياسية للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، كمقدمة لتسويات أخرى. فلم يكن بإمكان
الأردن، مثلاً، عقد معاهدة سلام مع اسرائيل قبل عقد اتفاق ما بين اسرائيل
والفلسطينيين. ويمكن، أيضاً، النظر إلى حرب الخليج بهذا المنظور. فبمعزل عمّا
إذا كانت الولايات المتحدة قد أوقعت بالعراق عن طريق إعطائه ضوءً أخضرَ خافتاً
لاحتلال الكويت، كما قيل في حينه، وأنه تم على لسان سفيرة الولايات المتحدة في
العراق، أو أن الولايات المتحدة استفادت من هذه الفرصة، بدليل رفضها لانسحاب
العراق من الكويت مع حفظ ماء الوجه قبل بداية حرب الخليج، سعت الولايات المتحدة
لتوفير "الاستقرار" من خلال الحرب. فوجود دولة إقليمية قوية، غير إسرائيل، في
المحيط العربي، وقرب دول الخليج ومنابع النفط، يؤدي إلى وجود "مجال حيوي" أو
"نطاق نفوذ" لتلك الدولة في محيطها، الأمر الذي قد يهدد مجال نفوذ الولايات
المتحدة، وأيضاً مجال نفوذ اسرائيل بقدر ما. فيصبح هناك لاعب آخر في الحقل، يجب
إرضاؤه أو استمالته أو التحالف معه، وهي سياسة مارستها الولايات المتحدة مع
العراق خلال الحرب مع إيران، ولأسباب معروفة.
وقد بدأت الولايات
المتحدة العمل على إيجاد تسوية ما للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي خلال الانتفاضة،
وفي الفترة التي كان فيها جورج شولتز وزيراً للخارجية. وتبعت ذلك جولات وزير
الخارجية الأسبق جيمس بيكر المكوكية في العام 1990، والتي استمرت بعد حرب الخليج،
وانتهت بانعقاد مؤتمر مدريد.
من هذا المنظور، ترى
الولايات المتحدة الآن، وترى إسرائيل أيضاً، ومنذ عهد نتنياهو، أن وجود دولة
فلسطينية هو النهاية الوحيدة الممكنة للمفاوضات بين اسرائيل والفلسطينيين، وأن
هذا أيضاً سيوفر "استقراراً" في المنطقة، أو إنه أحد عوامل "الاستقرار". ولكن
وجود دولة، لا يكفي بحد ذاته. فحتى يؤدي وجود الدولة الى القدر الممكن من
"الاستقرار"، من منظور الولايات المتحدة وإسرائيل، يجب أن توفر الدولة عاملين
أساسيين: الأول، قدراً معيناً من الرخاء الاقتصادي، وثانياً، قدراً معيناً من
الاستقرار السياسي داخل الدولة.
بالنسبة للرخاء
الاقتصادي النسبي، فإن موقف إسرائيل معروف إزاء هذا الجانب. وقد صرح، في الماضي،
أكثر من مسؤول ووزير إسرائيلي أن هذا أحد اهتمامات إسرائيل، لأنها تراه كتعزيز
للاستقرار في فلسطين، وهو أمر في مصلحتها أيضاً. وهذا يتوافق أيضاً مع مواقف
البنك الدولي، كما تظهر في نشراته. فالبنك الدولي، على سبيل المثال لا الحصر، ضد
احتكار شركة الاتصالات لهذا القطاع في فلسطين، بسبب ارتباط الاتصالات وتكنولوجيا
المعلومات بالنشاط الاقتصادي في عصر العولمة، وبسبب التطور السريع والمستمر
لتكنولوجيا المعلومات، الأمر الذي قد لا يتوفر بسهولة في فلسطين بوجود احتكار
لشركة واحدة. والوضع الأمثل، من وجهة نظر البنك الدولي، (حسبما جاء في نشرة
دورية يصدرها عن فلسطين، كانون الثاني، يناير 2000، ص2) هو وجود منافسة بين أكثر
من شركة، حتى يتم توفير تكنولوجيا معلومات مُحدَّثة باستمرار، لغرض ربط فلسطين
بالاقتصاد الاقليمي والعالمي.
مرة أخرى، نجد أن
التنمية في فلسطين، ومن ثم الرخاء الاقتصادي النسبي، مرتبطان باقتصاد السوق
وحاجاته. ولهذا مستلزمات بنيوية وإدارية وقانونية غير تلك الموجودة حالياً في
فلسطين، وكما أشرت سابقاً.
في ما يتعلق
بالاستقرار السياسي بعد نشوء الدولة، توجد عدة عوامل ستؤثر على هذا الجانب، ولا
يتسع المجال هنا للتعرض لها. وسأركز على عامل واحد، داخلي، يتعلق بالبنية
السياسية للنظام. وأبدأ بالإشارة إلى الجانب الدولي المتعلق بالموضوع، والذي
سيترك أثراً ما على فلسطين. وأشير، تحديداً، إلى الركيزتين الأساسيتين لما سمي
"بجدول أعمال الليبرالية الجديدة" (Neo-Liberal Agenda)،
واللتين تم اعتمادهما من قبل الولايات المتحدة والدول الغربية الصناعية والبنك
الدولي وصندوق النقد الدولي في السياسات الخارجية، وهما: اقتصاد السوق
والديمقراطية في النطاق السياسي. وقد تم تطوير جدول الأعمال هذا، واعتماده
بوضوح، في نهاية الثمانينات. وما زالت هاتان الركيزتان العنصرين الأساسيين في
السياسات الخارجية لتلك الدول والمؤسسات، ويجرى الدفع باتجاههما، ما أمكن، مع
الأخذ بعين الاعتبار خصوصية بعض الدول مثل دول الخليج. وقد أخذ بخصوصية الوضع
المرحلي في فلسطي،ن ولم يجر الدفع بقوة بهذين الاتجاهين. ولكن، من الواضح أن
هاتين الركيزتين موضوعتان على جدول أعمال فلسطين لأغراض مستقبلية.
والمقصود
"بالديمقراطية"، من هذا المنظور، هو توفير نظام سياسي وقانوني وإداري مناسب
لأغراض اقتصاد السوق. وقد أشرت إلى هذا الجانب سابقاً. والمقصود، إضافة، توفير
قدر من الاستقرار في النظام السياسي عن طريق مأسسة عناصر أساسية فيه، وبالتالي
عدم الاعتماد، لاستقرار النظام، على شخصية شعبوية، أو أبوية، أو كارزمية توفر
الصمغ اللاصق للنظام، لأن لهذا مخاطر معروفة، خاصة إن اتسم النظام بالمركزية
المفرطة في اتخاذ القرار، أو بالسلطوية. فهذا الوضع يشجع الانقلابات والاغتيالات
السياسية، خاصة في الدول الفقيرة، ولا يوفر شرعية سياسية في عالم اليوم.
ولكن الجانب الأهم،
المتعلق بهذا الموضوع، هو أن الديمقراطية، بتعريفها المحدود هذا (أي ليس بتعريفات
أخرى أوسع)، توفر الاستقرار من حيث إنها تفتح النظام السياسي أمام مشاركة النخب،
وتسمح بقدر من تداول السلطة من خلال الانتخابات الدورية. في غياب ذلك، ستبقى
النخب خارج النظام السياسي، وهذا يشكل خطورة على النظام واستقراره، خاصة في أوضاع
الأزمات، لأنها قد توفر قيادة لحركات أو هبات شعبية معارضة للنظام، أو لبعض من
سياساته، تعمل من خارجه. والعمل من خارج النظام قد يتحول، بسهولة، إلى مسعى
لتغيير جذري في النظام في أوضاع الأزمات.
وهذه هي العبرة
الأساسية التي استخلصها النظام الاردني من "ثورة الخبز" الشهيرة، التي بدأت في
جنوب المملكة قبل أكثر من عقد من الزمن. وكانت الانتخابات البرلمانية، في حينه،
مجمدة، وأعيد العمل بالانتخابات للمجلس النيابي، وتم ادخال النخب السياسية في
النظام السياسي، بما في ذلك الحركات الاسلامية.
وفي هذا المضمون،
يمكن فهم الأهمية السياسية لـ"بيان العشرين"، وإن كان الوضع هنا معكوساً، مقارنة
مع الأردن. فلم يلقَ البيان صدى شعبياً واسعاً، بخلاف وقعه بين النخب. أي إن
موقعي البيان لم يتحولوا إلى نخبة تقود حركة احتجاج شعبية، ولعدة أسباب، أحدها،
كنت قد اشرت إليه سابقاً، وهو حذر الجمهور من التغيير الجذري في هذه المرحلة.
ولكن، من غير الواضح أن هذا الوضع له مقومات الاستمرار بعد قيام الدولة، إن لم
يجر فتح النظام السياسي المغلق حالياً. فما زالت "الهبات" الشعبية تأخذ طابعاً
محلياً في فلسطين، كما حدث قبل بضعة أيام في مخيم البريج في غزة، وفي مناسبات
سابقة في غزة أيضا. وهي مؤشر على الاحتقان والانسداد في النظام الحالي، ونذير
للمستقبل.
وأشير، أخيراً، إلى
دور إسرائيل ومصالحها المستقبلية في فلسطين، وإذا كان الأردن يقع ضمن "المجال
الحيوي" لإسرائيل، كدولة عازلة (Buffer-State)،
فإن دولة فلسطين ستحتل حيزاً أكبر من الأهمية لإسرائيل، بسبب القرب الجغرافي،
وطول الحدود، وتنقل العمال والبضائع، إضافة إلى عوامل أخرى. ولم تتمكن إسرائيل،
خلال فترات الاحتلال، من إيجاد عزل جغرافي تام، خاصة بين إسرائيل والضفة
الغربية. ومن المتوقع أن تبقى هذه مشكلة في المستقبل، من منظور إسرائيل الأمني.
بالتالي، فإن استقرار النظام السياسي في الدولة الفلسطينية أمر في غاية الأهمية
لإسرائيل، لأن الاستقرار السياسي يعزل "الخروقات الأمنية"، ويبقيها محدودة. ولن
تعتمد إسرائيل، في مجال ضمان أمنها، على الاستقرار السياسي فقط، ولكنه يبقى أحد
العوامل التي لا يمكنها أن تهمله.
ولا يبدو لي أن
إسرائيل تخشى من فتح النظام السياسي لدخول المعارضة فيه، سواء أكانت إسلامية أو
غير إسلامية، بل العكس من ذلك تماماً. إن النخب السياسية التي ستدخل النظام
السياسي، بفعل الانتخابات، ستجد نفسها أمام اتفاقيات ملزمة لها، بموافقة وضمان
عدة دول عربية وعالمية. بالتالي، فإن المجال الوحيد المتاح لتغييرها أو تعديلها
هو المفاوضات السياسية. ولا تخشى اسرائيل ذلك، وهي في موقع قوة على الأرض، أخذين
بعين الاعتبار موقعها الاقليمي والدولي.
ختاماً، اود ان أُضيف
إلى عوامل التغيير المشار اليها آنفاً التاريخ السياسي للشعب الفلسطيني، بتعدديته
وتسيّسه، ووجود مجموعات كبيرة من مغتربي الفصائل تترقب وجود بدائل، ونخب جديدة
صاعدة، ودعم شعبي للتغيير. فهل يمكن للنظام الفلسطيني أن يبقى كما هو في
المستقبل؟ إن الأطروحة التي يجب الدفاع عنها هي إمكانية الاستمرار، وليست إمكانية
التغيير.
home