What's New     Publications     Contact Us

   Home



About Us

Programs

Library
Staff

الحدود السياسية للانتفاضة وثنائية الوطني والديمقراطي

بقلم: د. جورج جقمان

عميد الدراسات العليا

جامعة بيرزيت - فلسطين

 

قدمت هذه الورقة في مؤتمر مواطن: "الانتفاضة: نحو انهاء الصراع ام نحو تسوية مؤقتة"، الذي عقد في رام الله بتاريخ 8 ديسمبر 2000.

قد تكون الانتفاضة الحالية آخر معركة يخوضها الفلسطينيون والإسرائيليون، وبهذا الشكل، في المدى المنظور. وبالرغم من أن نتائجها السياسية غير واضحة بعد، توجد عدة عبر يمكن استخلاصها حتى الآن وبعد مرور ما يزيد عن شهرين على اندلاعها، والتي من شأنها أن تؤثر على نتائجها.

أشير بداية إلى الوتيرة السريعة للانتفاضة الحالية بخلاف الانتفاضة السابقة التي دامت خمس سنوات أو ما يقارب. فخلال أول شهرين من الانتفاضة الحالية، بلغ عدد الشهداء حوالي ثلاث مائة، أو تقريباً 75%  من المعدل السنوي لشهداء الانتفاضة الأولى. وارتبط هذا أيضا مع ازدياد متصاعد في استخدام السلاح من قبل إسرائيل وصل ذروته وبسرعة نسبياً إلى إطلاق الصواريخ من الطائرات والقصف من مدافع الدبابات، وخلال فترة لا تزيد كثيراً عن شهر.

وقد استغلت إسرائيل وجود أسلحة خفيفة مع رجال الأمن الفلسطينيين الذين شاركوا في الاشتباكات لتصعيد درجة العنف وتصوير القتال كأنه بين جيشين، ومن ثم الخط الإعلامي الذي تم الترويج له حول دفع الأطفال إلى ساحة المعركة، ذلك أن مقتل الأطفال و المدنيين أحرج  إسرائيل إعلاميا.

وبالرغم من إعداد إسرائيل لخطط منذ عام 1996 لمواجهات من هذا النوع، من بينها إدخال قناصة إلى خطوط المواجهة واستخدام مكثف لإطلاق النار، مروراً بالعقوبات الاقتصادية المتنوعة وانتهاء بالاغتيالات وعقوبات جماعية في مناطق التماس والاشتباك، بدا أن هناك قدراً من التخبط مع بداية الشهر الثاني من الانتفاضة حول الأهداف المنوي تحقيقها عسكرياً. فمع استمرار الانتفاضة ظهرت أصوات تدعو إلى " إطلاق يد" الجيش الإسرائيلي، وما زالت هذه الأصوات بارزة في قطاعات الرأي العام اليميني خاصة بين المستوطنين، وتتلخص في الشعار الذي وضع كملصقات على السيارات وفي أماكن أخرى، وهو "دعوا الجيش ينتصر"،أي أن المستوى السياسي يكبل يد الجيش عسكرياً بالرغم من أن في إمكانه أن ينتصر في ساحة المعركة.

ويعكس هذا التوجه الإدراك العام في إسرائيل أن ميزان القوى العسكري هو في صالحها، ليس فقط إزاء الفلسطينيين وإنما إزاء أي تجمع عسكري للدول العربية.  غير أن العنصر الأهم هنا هو كيفية حفاظ إسرائيل على ما تسميه "بقوة الردع"، وخشيتها من تضعضعه بفعل الانسحاب من لبنان أو عدم حسم الموقف ميدانياً في الانتفاضة الحالية.

فعندما يلتقي فريقي كرة قدم أحدهما أقوى بكثير من الفريق الآخر، وتنتهي النتيجة بالتعادل، فإن الفريق الأقوى يرى النتيجة بمثابة هزيمة.  وقوة الردع تعتمد على إيقاع خسائر كبيرة لا يتحملها الطرف الآخر حتى لا يتجرأ على المواجهة أو الاستمرار فيها، وحتى يدرك الآخرين الثمن الذي سوف يدفعوه إن قاموا بخوض معارك مع إسرائيل. واستمرار الانتفاضة دون وجود حل عسكري لها قد يضعف قوة الردع هذه. وتنعكس هذه العقيدة العسكرية كموقف سياسي لدى اليمين ولدى المستوطنين بمطالبهم المشار إليها.

ومع استمرار المطالبة بإطلاق يد الجيش الإسرائيلي وضغوطات من قيادات الجيش في نهاية الشهر الأول من الانتفاضة، زاد التصعيد العسكري بإدخال المروحيات وإطلاق الصواريخ وإطلاق النار من رشاشات ثقيلة ومدافع الدبابات، إضافة إلى عزل المناطق الفلسطينية عن بعضها البعض وتشديد الحصار الاقتصادي.

ومع بداية الشهر الثاني من الانتفاضة بدأت تظهر أصوات على المستوى السياسي وفي صفحات الجرائد الإسرائيلية تتساءل عن حدود القوة العسكرية.  والمقصود بهذا، التبعات السياسية من منظور حكومة باراك للاستخدام المتزايد للقوة العسكرية، وتلاشي إمكانية العودة للمفاوضات، وهو الأمر الذي سعى للإبقاء عليه ما أمكنه ذلك داخلياً، نظراً لارتباط مستقبله السياسي باتفاقية ما كنتيجة للمفاوضات يمكن أن يصورها كإنجاز سياسي.

من ناحية أخرى، لم يكن من الواضح أن إسرائيل على استعداد حتى الآن لدفع الثمن السياسي الإقليمي والدولي للتصاعد التدريجي لعملها العسكري في مسعاها لقمع الانتفاضة.  وقد واجهت إسرائيل نفس المشكلة في الانتفاضة الأولى إذ بانت بوضوح الحدود السياسية للقوة العسكرية في بيئة سياسية إقليمية وعالمية يصعب فيها ارتكاب المجازر الكبرى، أو طرد مئات الآلاف من المدنيين إلى الأردن ولبنان لغرض إنهاء الانتفاضة.  وبالرغم من أن هذه هي النهاية المنطقية لمطالب المستوطنين بإطلاق يد الجيش وتوفير الحل العسكري المناسب، إلا أنها تبقى عاجزة من حيث رؤيتها السياسية  لتبعات الخيار العسكري المفتوح، إلا إذا فهمنا مطالبهم على أنها تكتيكية ومرتبطة بالوضع الداخلي في إسرائيل.

وفي كل الأحوال، نجد مع أواسط الشهر الثاني من الانتفاضة بداية تشكل رأي واضح في قيادات الجيش وعلى المستوى السياسي بأنه لا يوجد حل عسكري للانتفاضة، آخذاً بعين الاعتبار القيود السياسية المشار إليها سابقاً.

وأستذكر هنا أنه بعد مرور عام على الانتفاضة الأولى، بان بوضوح أنها بحاجة إلى حل أو تسوية سياسية من نوع ما. وبدا التحرك السياسي فعلا في العام 1988 من قبل وزير الخارجية السابق جورج شولتز، وتبع ذلك جولات وزير الخارجية جيمس بيكر في العام 1990 واستمرت بعد حرب الخليج، وانتهت بمؤتمر مدريد، ثم اتفاقية أوسلو الأولى في عام 1993، أي اتفاقية إعلان المبادئ.

وبالرغم من الفوارق بين الانتفاضتين، إلا أن نتائج الانتفاضة الحالية تطورت سياسياً بوتيرة سريعة نسبياً.  فبعد أن كان مطلب الحكومة الإسرائيلية هو فقط إيقاف ما يسمى بالعنف حتى يمكن العودة إلى المفاوضات، قبلت وجود لجنة تقصي حقائق لها شكل دولي من أجل إرضاء الجانب الفلسطيني وتم التوصل إلى اتفاقية شرم الشيخ، وهي اتفاقية جوهرها أمني مثل عدد من الاتفاقيات السابقة كاتفاقية الخليل واتفاقية "واي ريفر". وبالرغم من ان الجانب الأمني ما زال أساسيا في نظرة إسرائيل إلى الانتفاضة، إلا أن عدداً من المسؤولين الفلسطينيين منهم أمين عام الرئاسة الطيب عبد الرحيم، ووزير الثقافة والإعلام ياسر عبد ربه أشاروا في مقابلات وتصريحات للإعلام أنهم أُبلغوا أن حكومة إسرائيل على استعداد لتحسين ما عرض في كامب ديفيد عند العودة للمفاوضات.

ولكن الأحداث في الميدان استمرت، وشهد الشهر الثاني تبلوراً أوضح لمطالب الشارع السياسي التي انعكست في تصريحات مسؤولين فلسطينيين.  ففي الأسبوع الأخير من الشهر الثاني، شهَدَت مظاهرات مثل تلك التي حدثت في مدينة نابلس، هتافات ضد اتفاقية شرم الشيخ.  أي أن المطلوب هو ليس اتفاق آخر محدود أو أمني وإنما إنهاء الاحتلال.

وفي نفس الفترة صرح أحمد قريع "أبو العلاء" أن على إسرائيل أن تنظر سياسياً إلى الانتفاضة وليس أمنيا، وقدم مبادرة (الحياة، 27/11/2000) من عدة بنود من بينها عقد مؤتمر دولي للسلام، أي تعديل صيغة أوسلو ووجود "راعي" واحد منحاز لإسرائيل.  ويشكل هذا أول تعديل شبه رسمي  في الموقف الفلسطيني من مسار التسوية ، بحيث يتساوق بقدر ما مع الواقع على الأرض.  بالتالي، إن كان الصراع الميداني الدائر حاليا هو الذي سيحسم الموقف السياسي لاحقا عند العودة للمفاوضات، كيف يمكن تقييم وضع الطرفين الإسرائيلي و الفلسطيني حاليا في حرب الاستنزاف الجارية؟

إن الإجابة على هذا السؤال لا تتعلق بميزان القوى العسكرية المجردة بين الطرفين، إذ ان حدود الإجراءات الإسرائيلية العسكرية والاقتصادية الممكنة تتمحور حول نطاقين: الأول من النوع الذي نشهده حالياً من حصار اقتصادي وعزل مناطق عن بعضها البعض وتقليل دخول البضائع والمحروقات ووتيرة مرتفعة نسبياً من الأعمال العسكرية بما في ذلك الاغتيالات والاعتقالات، وانتهاء بما لم تقم به إسرائيل بعد من تهجير محدود للسكان في مناطق تماس تقع على حدود مناطق تحت سيطرة السلطة الفلسطينية ومناطق تحت سيطرة إسرائيل مثل بيت جالا او المدخل الشمالي لمدينة رام الله قرب مستوطنة "بساجوت".  وهذه إجراءات أُعلن عنها كخطط في الصحف الإسرائيلية.  وحتى ولو وجدت خطط أخرى سرية ، فإنها وضمن هذا النطاق ستبقى محدودة بمعنى أنه قد لا ينجم عنها قتل جماعي على نطاق واسع أو تهجير جماعي لمئات الآلاف.

والنطاق الثاني للإجراءات الإسرائيلية تكمن في توسيع دائرة الحرب لتشمل لبنان وربما سوريا، وفي غمرة الأحداث اتخاذ إجراءات أشد بحق الفلسطينيين.  ويبدو هذا الاحتمال بعيداً الآن لأن تبعاته السياسية من منظور إسرائيل لا يمكن السيطرة عليها كلياً، بدليل أن مطالب زعماء اليمين العلنية مثل أرئيل شارون تمحورت حول اغتيال عدد من الفلسطينيين.

وأخذا بعين الاعتبار الحدود السياسية للقوة العسكرية، وتبعاتها الإقليمية للأردن ولمصر على وجه الخصوص، وللدول العربية الأخرى أيضا، بان بوضوح في الشهر الثاني من الانتفاضة أن لها إمكانيات سياسية أكبر مما بان للمراقبين في الأسبوع الأول والثاني منها.  فاستمرار الانتفاضة والاستعداد الكبير الذي ظهر للتضحية والصمود على الصعيد الشعبي تحولا إلى مكاسب سياسية محددة.  فبدأت تظهر أصوات ومواقف واضحة في إسرائيل وفي الخارج تحدد المستوطنات والاستيطان كعقبة رئيسية أمام التسوية السياسية.  والمقصود بهذا ليس فقط المستوطنات كمواقع جغرافية أو طرق التفافية ومصادرة أراضي، وإنما كمشروع "أرض إسرائيل الكبرى" والذي يشكل العقيدة السياسية للاستيطان ولفئات من اليمين في إسرائيل.

وبدأنا نشاهد عودة تدريجية لدى أطراف مختلفة، وإن كانت بنوع من الحذر للموقف الرسمي "للشرعية الدولية" وهو أن الضفة الغربية وقطاع غزة أراضي محتلة، بما في ذلك القدس الشرقية، بعد أن كان الموقف الرسمي قد تضعضع سياسيا لصالح اتفاقات أوسلو، أي لصالح المفاوضات في ظل ميازين القوى على الأرض وحماية لإسرائيل من قبل الولايات المتحدة.

وهذا هو الإنجاز الأساسي للانتفاضة حتى الآن من ناحية سياسية، بالرغم من أنه إنجاز غير مكتمل بعد ويلزمه وقت أطول حتى يصبح في الإمكان تبلور موقف دولي أوضح ضاغط على إسرائيل يضعف القوة السياسية لليمين فيها.

وإنجاز الانتفاضة في جانبه السياسي هو إنجاز تدريجي، بمعنى أنه تعديل تدريجي يتعاظم ويكبر مع استمرارها، على ميازين القوى في معادلة مسار أوسلو.  وبالرغم من أن الحدود السياسية القصوى لما يمكن للانتفاضة أن تنجزه غير معروفة تماماً بعد، إلا أن هذه الحدود مرهونة بقدر لا يستهان به بمقدرة الفلسطينيين على الصمود أمام الضغوطات السياسية العربية والدولية، ومقدرة الشعب بكافة قطاعاته على الصمود أمام الإجراءات الإسرائيلية الاقتصادية والعسكرية، من النوع الأول المشار إليه سابقاً.

وإذا كان السؤال الأساسي الآن يتعلق بهذه المقدرة، وبتجنيد طاقات المجتمع الفلسطيني الاقتصادية والمعنوية والميدانية والإعلامية لخدمة هذه الأغراض، تبرز هنا عدة نقاط يمكن الإشارة إليها في هذا السياق:  

أولا، يشكل وجود سلطة فلسطينية على أرض فلسطين هدفاً واضحاً لإسرائيل، لتحميلها المسؤولية في مجالات مختلفة، وللضغط عليها بأشكال متنوعة. فإسرائيل تسعى لتحميل السلطة الفلسطينية مسؤولية ما يسمونه بالعنف، ومسؤولية مقتل أطفال من قبل القناصة، ومسؤولية "دفع" الأطفال للمشاركة في مظاهرات، ومسؤولية ضمان أمن المستوطنين، ومسؤولية العمليات العسكرية المختلفة سواء في داخل إسرائيل أو في المناطق المحتلة.

وهي تقوم بذلك ليس فقط لأغراض إعلامية، وإنما من منظورها الأمني لدور السلطة الفلسطينية، أي حماية إسرائيل، وهو دور تصر عليه إسرائيل في جميع الاتفاقات التي تمت خلال السنوات السبع الماضية.

إضافة، إن السلطة الفلسطينية عرضة لضغوطات متنوعة، منها الاقتصادي، مثل عدم تحويل عائدات الضرائب المجباة لحساب السلطة في إسرائيل،  وضغوطات ترتد على السلطة بحكم موقعها مثل إيقاف تصدير المحاصيل الزراعية الفلسطينية، ومنع العمال من الدخول إلى إسرائيل، وانتهاء بقطع التواصل الجغرافي بين مناطق السلطة وشل أعمالها في ميادين مختلفة.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار السمات الأساسية للبنية الإدارية والقانونية للحكومة، بمعنى أنها ليست مصممة لخدمة الأهداف المعلن عنها، لفقدانها للأنظمة الداخلية ووصف الوظائف وآليات اتخاذ القرار العقلانية وآليات الإشراف والمتابعة والمحاسبة، فإن إصابتها بالشلل في ظروف مثل تلك الموجودة حالياً يصبح أسهل وأيسر منه في الظروف العادية.

فكما هو معروف، أن المسميات والمناصب والدوائر والمكاتب في السلطة الفلسطينية، لا تعكس بالضرورة أدوارا واضحة محددة وصلاحيات تنفيذية معروفة وغير قابلة للتخطي من قبل آخرين.  فكثيراً ما نجد أن مدير دائرة له نفوذ أكبر من وكيل الوزارة و أن وكيل الوزارة له سطوة اكبر من الوزير.  والسبب في ذلك هو وجود نظامين إداريين في الحكومة، الرسمي من جهة، والفعلي غير الرسمي من جهة أخرى، الذي يطغى في كثير من الأحيان على النظام الرسمي، في فعاليته في اتخاذ القرار.

ويوجد إذا ازدواجية في الأدوار بين الرسمي (أي الجهاز الحكومي والبلديات والهيئات المحلية) وغير الرسمي والمبني أساسا على محاور ارتباط أفقية وعمودية تستمد قوتها في نهاية الأمر من محور الارتباط العمودي، المشكل من حلقات متصلة تنتهي عند القيادة الفلسطينية.

وفي وضع الأزمات وعدم الوضوح في الأدوار، وعدم استقرار شرعية الأدوار بين الرسمي وغير الرسمي، من السهل أن يؤدي هذا إلى شلل في العمل، أو إلى تنازع على الأدوار من النوع المعروف في الأحوال العادية، ولكن في ظل الأزمات قد يؤدي إلى عجز عن القيام بالمهام الحيوية المطلوبة، وبالتالي يضعف إمكانية الصمود. وقد يؤدي في النهاية إلى ضعف كبير في هذه المعركة، إذا كان الأمر المطلوب الآن هو تنظيم وإدارة المجتمع في هذا الظرف من اجل الاستمرار والحفاظ على روح معنوية عالية، وإيجاد آليات معروفة لتلبية الحاجات المختلفة المتعلقة بالصراع الحالي.

وسأعطى مثلاً محددا على ما أقصد.  فقد عُقد في منتصف الشهر الثاني من الانتفاضة اجتماع في محافظة رام الله دُعيَ إليه ممثلون عن البلديات والنقابات والاتحادات وممثلون عن المجلس التشريعي والمؤسسات الأهلية إضافة إلى آخرين، لتشكيل لجنة محلية لملئ الفراغ القيادي الموجود حالياً على نطاق مدني، في أمور تتعلق بإعطاء المعلومات للسكان حول كيفية التصرف خلال القصف وبعده، وتنظيم فرق مدنية لمواجهة الحصار والنقص في أية مواد تموينية وتوجيه السكان في هذا الظرف، وإعطاء معلومات دقيقة وفورية لتفادي الهلع الناجم عن الإشاعات، كما حصل في رام الله في الأسبوع الخامس من الانتفاضة عندما سرت إشاعة حول إمكانية القصف، واختبأ السكان، وتبين أن الاشاعة كاذبة.

وكان واضحاً للجميع الحاجات المتوخاة في مثل هذا الظرف، ولكن السؤال الأساسي في الاجتماع كان حول من يقود هذه الهيئة أو اللجنة.  وبدأ الاجتماع وانتهى بتنازع حول الأدوار والقيادة، ومن المتوقع أن لا تنجح هذه المبادرة بسبب هذا التنازع.

وهذا يعكس عدم استقرار في شرعية الأدوار وغياب البنية القانونية والإدارية لضمان هذه الشرعية، وهذه من سمات النظام الفلسطيني الحالي، والتي تعيق العمل في الأحوال العادية، وفي حالات الطوارئ بشكل واضح.  فلو سألنا مثلاً، ما الذي يمنع البلديات من أخذ دور مبادر في تنظيم لجان لمختلف الأغراض، وما الذي يمنعها من تحمل مسؤولياتها في هذا الظرف، يمكن الإجابة على هذا التساؤل كالتالي:

أولا: ربما من غير الواضح للبلديات ما هي مسؤولياتها بوجود تداخل في الصلاحيات بينها وبين المحافظات.

ثانياً: بما أن البلديات غير منتخبة فإنها قد لا ترى نفسها عرضة للمساءلة من قبل من انتخبها، وإنما مساءلة من قبل من عينها.

ثالثاً: تتصرف البلديات أحيانا كالجيش، أي أنها بانتظار تعليمات تصدر لها من فوق وفي غياب أوامر وتعليمات تخشى التحرك بوازع ذاتي أو مبادرة ذاتية حتى لا تتخطى حدود معينة غير معروفة بوضوح لديها. فالاحتكام هنا لا يتم إلى قوانين واضحة تحدد صلاحيتها، وإنما العمل في النطاق الذي يسمح  ويؤذن لها به.

فالمبادرة إذا ليست في يدها وإنما في يد آخرين، أحيانا غير معروفين، أو مسميين بشكل محدد أو واضح.  فهل المبادرة هي في يد وزارة الحكم المحلي المسؤولة عن البلديات، أم أنها في يد شخص مقرب، من شخص مقرب، من شخص مقرب - من آخر، إلى آخر سلسلة محور الارتباط العمودي.

وقد كشفت الانتفاضة عن ثغرات عدة سببها بنية النظام الفلسطيني في جوانبه الإدارية والقانونية والسياسية.  وبسبب غياب المأسسة فيه، فقد بان بوضوح شلل عدد كبير من الوزارات وعدم وضوح دورها.  فلا توجد سياسة إعلامية ولا يوجد ناطق إعلامي رسمي، ولا يوجد مصدر رسمي مسمى لإعطاء عدد دقيق للشهداء والجرحى، ولا يوجد دور للمجالس المنتخبة ولا الهيئات التمثيلية في أي نطاق، سواء كان ذلك المجلس التشريعي، أو المركزي، أو الوطني، و لا دور واضح للفصائل والأحزاب والحركات السياسية باستثناء تنظيم المسيرات وأيام الحداد، وسباق الأعلام والرايات في الجنازات والمظاهرات.

مرة أخرى، هذا كله يعكس عدم استقرار شرعية الأدوار وغياب البنية الإدارية والقانونية اللازمة لهذا الاستقرار.

بالتالي، إذا كان الأمر يتعلق بكيفية الصمود والاستمرار، وبتنظيم المجتمع وإشراكه في تحقيق هذه الأهداف من أجل تحقيق أهداف الانتفاضة، فإن إحدى العبر الأساسية من الانتفاضة الحالية تكمن في أن هناك علاقة وثيقة بين الديمقراطي والوطني، بين المأسسة والتمثيل الشرعي بفعل الانتخابات ووجود آليات للمحاسبة والمساءلة، من جهة وبين تحقيق الحاجات الوطنية في ظل الصراع، من جهة أخرى.  وعليه، فإن الحاجة للإصلاح يجب أن توضع على رأس جدول العمل الوطني بعد انتهاء المرحلة الحالية من الصراع.